كتب عمرو عدلي أن القطاع الخاص يهيمن على النشاط الاقتصادي في مصر، سواء من حيث الإنتاج أو الاستثمار أو التشغيل، لكنه يفتقر إلى القدرة الهيكلية على دفع عجلة النمو وتحقيق التنمية المستدامة. فرغم اتساع حجمه، تتركز الغالبية العظمى من منشآته في المشروعات متناهية الصغر والصغيرة، التي تعاني ضعف الإنتاجية ومحدودية فرص التوسع.
وفي تحليل نشره موقع المنصة، يناقش عدلي التناقض بين هيمنة القطاع الخاص على الاقتصاد المصري، واستمرار تعثر معدلات النمو، متسائلًا عن جدوى الدعوات المتكررة التي يطلقها صندوق النقد الدولي لتوسيع دور القطاع الخاص وتقليص تدخل الدولة، في ظل تجاهلها المشكلات الهيكلية التي تعوق هذا القطاع عن أداء دوره التنموي.
القطاع الخاص يهيمن على الإنتاج والاستثمار والتشغيل
أكدت البيانات الرسمية هيمنة القطاع الخاص على الاقتصاد المصري. فقد صرح وزير التخطيط قبل أيام بأن الشركات الخاصة تسهم بنحو 80% من الناتج المحلي الإجمالي، و58% من إجمالي الاستثمارات، وتوفر فرص العمل لنحو 83% من القوى العاملة في مصر.
وتتوافق تصريحات الوزير مع الإحصاءات الحديثة الصادرة عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لمجلس الوزراء، التي أظهرت ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات العشر الماضية، من 71% عام 2016 إلى 80% في 2025/2026.
وتظهر الهيمنة نفسها على مستوى القطاعات الاقتصادية. فوفقًا لبيانات البنك المركزي للعام المالي 2022/2023، وهو أحدث عام متاح في قاعدة البيانات المنشورة، استحوذ القطاع الخاص على 99.8% من الإنتاج الزراعي، و77% من الإنتاج الصناعي، و80% من أنشطة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، و99% من الأنشطة العقارية، و97% من قطاع السياحة.
وبالتالي، لا تصمد الادعاءات التي تتحدث عن تراجع وزن القطاع الخاص لصالح الدولة أمام هذه الأرقام، إذ لا يزال النشاط الخاص يشكل الركيزة الأساسية للاقتصاد المصري.
قراءة مختلفة لهيمنة الدولة ومحدودية النمو
لا تعني هذه الأرقام انسحاب الدولة من التدخل في السوق، لكنها تشير إلى ضرورة إجراء تحليل هيكلي أكثر دقة لطبيعة تدخل القطاع العام، بدلًا من الاكتفاء بأطروحة مزاحمة الدولة للقطاع الخاص التي يطرحها صندوق النقد الدولي.
فإلى جانب دورها التنظيمي، تستخدم الجهات التابعة للدولة حصتها المتبقية، البالغة 20% من الناتج المحلي الإجمالي، للسيطرة على قطاعات استراتيجية، تشمل الصناعات الاستخراجية، وقناة السويس، والتعليم، والتأمينات الاجتماعية، والمشروعات التي تديرها القوات المسلحة، وشركات قطاع الأعمال العام التي لم تخضع بعد للخصخصة أو التصفية.
ولا يخفى كذلك تحكم الدولة في أصول حيوية، وفي مقدمتها الأراضي الصحراوية المخصصة للاستصلاح الزراعي والتوسع العمراني والتنمية الصناعية والسياحية. كما تحافظ على حضور واسع في النظام المصرفي، سواء بصفتها مالكة لأكبر البنوك التجارية في البلاد، أو باعتبارها أكبر مقترض منفرد من القطاع المالي.
وفي النهاية، يعمل القطاع الخاص داخل إطار تشكله تدخلات متعددة من الدولة، لكنه يهيمن على الإنتاج والتوظيف بدرجة لا تستطيع حتى مؤسسات الدولة تجاهلها.
ويطرح ذلك سؤالًا جوهريًا: إذا كانت البيانات الرسمية تؤكد الدور المهيمن للقطاع الخاص، فهل نجح هذا الحضور بالفعل في إطلاق إمكانات النمو الاقتصادي في مصر؟
عمليًا، ظلت معدلات النمو خلال العقد الماضي، الذي حافظ فيه صندوق النقد الدولي على حضور قوي في مصر، ضعيفة بوضوح. وإذا استبعدنا الفترات التي شهدت أزمات حادة، مثل جائحة كوفيد-19 والنقص الحاد في الدولار، وركزنا على سنوات الاستقرار والازدهار النسبي، سنجد أن مصر أخفقت في تحقيق طفرة اقتصادية، ولم تستطع بلوغ معدلات النمو التي سجلتها قبل الأزمة المالية العالمية.
«الوسط المفقود» وأزمة الاستثمار تعوقان نمو القطاع الخاص
عندما يُطرح الحديث عن هيمنة القطاع الخاص، قد يتبادر إلى الأذهان رجال الأعمال البارزون والعائلات الاقتصادية الكبرى، مثل ساويرس ومنصور والسويدي. لكن الإحصاءات تكشف أن الغالبية الساحقة من مكونات القطاع الخاص تتألف من المنشآت والمشروعات متناهية الصغر. وتمثل هذه الحقيقة الهيكلية مفتاح فهم عجز الاقتصاد عن تحقيق النمو، إذ يهيمن عليه لاعب يفتقر أساسًا إلى القدرة على التوسع.
ويشير أحدث تعداد اقتصادي لعام 2025 إلى وجود 3.9 مليون منشأة اقتصادية في مصر، تنتمي معظمها إلى القطاع الخاص، بينما يعمل نحو نصفها في القطاع غير الرسمي، أي المنشآت غير المسجلة قانونيًا. ولا تقدم هذه المنشآت إسهامًا يُذكر في التشغيل أو الإنتاج، بسبب انخفاض إنتاجيتها وضآلة حجمها وضعف فرص نموها، إن لم تكن منعدمة تمامًا.
أما القطاع الخاص «الرسمي»، فتسيطر عليه الشركات الصغيرة. ووفقًا لتقرير سابق للبنك المركزي المصري، شكلت المشروعات متناهية الصغر 81% من إجمالي المشروعات المتوسطة والصغيرة ومتناهية الصغر. وتوثق دراسات سابقة هذه الديناميكية، التي ترتبط بمشكلة «الوسط المفقود» في مصر، والمقصود بها غياب الشركات القوية القادرة على استيعاب الطاقات الإنتاجية وتوجيهها نحو مسار يحقق معدلات نمو أعلى وأكثر استدامة.
ولا تكمن المشكلة الأساسية في حجم القطاع الخاص أو مساهمته في الإنتاج والتشغيل، بل في قدرته على قيادة النمو والتنمية من خلال زيادة القيمة المضافة والارتقاء بالإنتاج المحلي، بما يسمح للاقتصاد المصري بتلبية الطلب المحلي ومنافسة الواردات، وربما التوجه نحو التصدير.
فالقطاع الخاص الذي يتكون من مشروعات متناهية الصغر لا تنمو بالقدر الكافي للتحول إلى شركات صغيرة أو متوسطة، لا يحمل فرصًا تنموية واعدة للاقتصاد الأوسع.
وتختلف التحديات التي واجهت القطاع الخاص خلال العقد الماضي عن تلك التي شهدتها الفترات السابقة من حيث الحجم، لا من حيث طبيعتها. ويعود ضعف الإنتاجية لدى الغالبية العظمى من المنشآت الخاصة، في المقام الأول، إلى استمرار نقص الاستثمار، الذي يقيسه الاقتصاديون من خلال تكوين رأس المال الإجمالي كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي.
وتكشف بيانات الاقتصاد المصري منذ عام 2000 أن معدل تكوين رأس المال الإجمالي لم يتجاوز المستوى الذي بلغه عام 2008، حين سجل 22% من الناتج. بينما بلغ متوسط المعدل خلال السنوات العشر الماضية، من 2016 إلى 2026، نحو 17.4%، بعدما تراجع تدريجيًا من 20% عام 2022 إلى 13% عام 2025، وهي أدنى نسبة تسجلها مصر في تاريخها الحديث منذ عام 1973.
وتزداد حدة المشكلة مع استمرار انخفاض معدل الاستثمار في مصر مقارنة بالدول النظيرة من فئة الشريحة الدنيا من البلدان متوسطة الدخل. فقد بلغ متوسط المعدل في هذه الدول خلال العقد الماضي 29%، مقابل 17.4% في مصر، أي ما يقرب من ضعف المعدل المصري.
ويشمل مفهوم تكوين رأس المال مساهمات الاستثمار في القطاعين العام والخاص، وهو ما يثير تساؤلًا حول موقع القطاع الخاص المصري من هذا التراجع.
وتوضح بيانات البنك الدولي أن الانخفاض الحاد في تكوين رأس المال الإجمالي يرتبط مباشرة بتدهور أوضاع القطاع الخاص، إذ تراجعت استثماراته الرأسمالية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي إلى النصف، من 14% عام 2008 إلى 7% عام 2025.
ورغم الزيادة الملموسة في الاستثمارات العامة، ولا سيما في مشروعات البنية التحتية، مثل الكباري والطرق والمطارات والمرافق، فإن هذه الزيادة لم تكن كافية لتعويض تراجع حصة القطاع الخاص. وتبعث هذه المؤشرات برسائل سلبية بشأن مستقبل الاقتصاد، نظرًا إلى امتلاك استثمارات القطاع الخاص قدرة أكبر على توليد النمو وفرص العمل مقارنة باستثمارات البنية التحتية.
ولا يبدو أن قضية القطاع الخاص في مصر تتعلق بحجمه أو دوره. فدون مبالغة، يمثل القطاع الخاص القاعدة الإنتاجية للاقتصاد المصري، ولن تستطيع مؤسسات الدولة أن تحل محله، حتى إن حاولت ذلك. لكن هذا المشهد المجزأ، الذي تهيمن عليه الورش والمنشآت متناهية الصغر والصغيرة، لا يزال خاضعًا لقيود البيروقراطية الحكومية.
ويظل حصول هذه المنشآت على التمويل والأراضي والعمالة الماهرة وغيرها من مقومات الإنتاج مرهونًا بقدرة الدولة واستعدادها لرفع إنتاجيتها ودعم تطورها. وحتى الآن، واجهت الدولة صعوبة في التنسيق مع القاعدة الأوسع للقطاع الخاص، واقتصر تعاملها على الشركات الكبرى في قطاعات محددة.
وبعيدًا عن هذه الكيانات، يعتمد الاقتصاد على قطاع خاص واسع من حيث عدد منشآته، لكنه شديد المحدودية من حيث الحجم والإنتاجية. فهو لا يحمل آفاقًا واعدة لتحقيق طفرات اقتصادية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه متجذر في بنية الاقتصاد إلى حد يجعل تجاهله أو تجاوزه أمرًا مستحيلًا.
وهذه هي المعضلة.
Egypt’s private sector dominates the economy but cannot drive growth | Al Manassa
Egypt’s private sector dominates the economy but cannot drive growth | Al Manassa

